أبي بكر الكاشاني
108
بدائع الصنائع
الطلاق في يدك لا يصدق في القضاء ويقع الطلاق لان الهبة تقتضي زوال ملكه عن الطلاق وذلك بوقوع الطلاق وجعل الطلاق في يدها تمليك الطلاق إياها فلا يحتمله اللفظ الموضوع للإزالة وروى عن أبي حنيفة رواية أخرى انه لا يقع به شئ لان الهبة تمليك وتمليك الطلاق إياها هو ان يجعل إليها ايقاعه ويحتمل قوله وهبت لك طلاقك أي أعرضت عن ايقاعه فلا يقع به شئ ولو أراد أن يطلقها فقالت له هب لي طلاقي تريد أعرض عنه فقال قد وهبت لك طلاقك يصدق في القضاء لأن الظاهر أنه أراد به ترك الايقاع لان السؤال وقع به فينصرف الجواب إليه ولو قال تركت طلاقك أو خليت سبيل طلاقك وهو يريد الطلاق وقع لان ترك الطلاق وتخلية سبيله قد يكون بالاعراض عنه وقد يكون باخراجه عن ملكه وذلك بايقاعه فكان اللفظ محتملا للطلاق وغيره فتصح نيته ولو قال أعرضت عن طلاقك أو صفحت عن طلاقك ونوى الطلاق لم تطلق لان الاعراض عن الطلاق يقتضى ترك التصرف فيه والصفح هو الاعراض فلا يحتمل الطلاق ولا تصح نيته وكذا كل لفظ لا يحتمل الطلاق لا يقع به الطلاق وان نوى مثل قوله بارك الله عليك أو قال لها أطعميني أو اسقيني ونحو ذلك ولو جمع بين ما يصلح للطلاق وبين ما لا يصلح له بان قال لها اذهبي وكلي أو قال اذهبي وبيعي الثوب ونوى الطلاق بقوله اذهبي ذكر في اختلاف زفر ويعقوب ان في قول أبى يوسف لا يكون طلاقا وفي قوله زفر يكون طلاقا وجه قول زفر انه ذكر لفظين أحدهما يحتمل الطلاق والاخر لا يحتمله فيلغو ما لا يحتمله ويصح ما يحتمله ولأبي يوسف ان قوله اذهبي مقرونا بقوله كلى أو بيعي لا يحتمل الطلاق لان معناه اذهبي لتأكلي الطعام واذهبي لتبيعي الثوب والذهاب للاكل والبيع لا يحتمل الطلاق فلا تعمل نيته ولو نوى في شئ من الكنايات التي هي بوائن أن يكون ثلاثا مثل قوله أنت بائن أو أنت على حرام أو غير ذلك يكون ثلاثا الا في قوله اختاري لان البينونة نوعان غليظة وخفيفة فالخفيفة هي التي تحل له المرأة بعد بينونتها بنكاح جديد بدون التزوج بزوج آخر والغليظ ما لا تحل له الا بنكاح جديد بعد التزوج بزوج آخر فإذا نوى الثلاث فقد نوى ما يحتمله لفظه والدليل عليه ما روى أن ركانة بن زيد أو زيد بن ركانة طلق امرأته البتة فاستحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أردت ثلاثا فلو لم يكن اللفظ محتملا للثلاث لم يكن للاستحلاف معنى وكذا قوله أنت على حرام يحتمل الحرمة الغليظة والخفيفة فإذا نوى الثلاث فقد نوى احدى نوعي الحرمة فتصح نيته وان نوى ثنتين كانت واحدة في قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر يقع ما نوى وجه قوله إن الحرمة والبينونة أنواع ثلاثة خفيفة وغليظة ومتوسطة بينهما ولو نوى أحد النوعين صحت نيته فكذا إذا نوى الثلاث لان اللفظ يحتمل الكل على وجه واحد ( ولنا ) ان قوله بائن أو حرام اسم للذات والذات واحدة فلا تحتمل العدد وإنما احتمل الثلاث من حيث التوحد على ما بينا في صريح الطلاق ولا توحد في الاثنين أصلا بل هو عدد محض فلا يحتمله الاسم الموضوع للواحد مع ما ان الحاصل بالثنتين والحاصل بالواحدة سواء لان أثرهما في البينونة والحرمة سواء ألا ترى انها تحل في كل واحدة منهما بنكاح جديد من غير التزوج بزوج آخر فكان الثابت بهما بينونة خفيفة وحرمة خفيفة كالثابت بالواحد فلا يكون ههنا قسم ثالث في المعنى وعلى هذا قال أصحابنا انه إذا قال لزوجته الأمة أنت بائن أو حرام ينوى الثنتين يقع ما نوى لان الاثنتين في الأمة كل جنس الطلاق في حقها فكان الثنتان في حق الأمة كالثلاث في حق الحرة وقالوا لو طلق زوجته الحرة واحدة ثم قال لها أنت بائن أو حرام ينوى اثنتين كانت واحدة لان الاثنتين بأنفسهما ليسا كل جنس طلاق الحرة بدون الطلقة المتقدمة ألا ترى انها لا تبين فالاثنتين بينونة غليظة بدونها ولو نوى بقوله اعتدى واستبري رحمك وأنت واحدة ثلاثا لم تصح لأن هذه الألفاظ في حكم الصريح ألا ترى أن الواقع بها رجعية فصار كأنه قال أنت طالق ونوى به الثلاث ولان قوله أنت واحدة لا يحتمل أن يفسر بالثلاث فلا يحتمل نية الثلاث وكذا قوله اعتدى واستبري رحمك لان الواقع بكل واحدة منهما رجعي فصار كقوله أنت واحدة وكذا لو نوى بها اثنتين لا يصح لما قلنا بل أولى لان الاثنتين عدد محض والله أعلم